صديق الحسيني القنوجي البخاري
53
فتح البيان في مقاصد القرآن
وأجاب عنه الخازن على الطريق الجاري على صناعة الطب وأورده الشيخ سليمان الجمل ثم قال : ولسنا نقصد الاستظهار لتصديق الحديث بقول الأطباء بل لو كذبوه لكذبناهم وكفرناهم بذلك انتهى . وعن ابن عمر أنه كان لا يشكو قرحة ولا شيئا إلا جعل عليه عسلا حتى الدمل إذا خرج طلى عليه العسل ، وعن أبي وجزة أنه كان يكتحل بالعسل ويستنشق ويتداوى به ذكره القرطبي ، وفي الباب آثار عن جماعة من السلف . وقال البيضاوي : شفاء للناس إما بنفسه كما في الأمراض البلغمية أو مع غيره كما في سائر الأمراض إذ قلما يكون معجون إلا والعسل جزء منه ، وقيل إن هذا القول خرج مخرج الأغلب وأنه في الأغلب فيه شفاء ولم يقل أنه شفاء لكل الناس ولكل داء لكنه في الجملة دواء ، وأن نفعه أكثر من مضرته ومنافعه كثيرة جدا ، قال السدي : شفاء للأوجاع التي شفاؤها فيه ، وبالجملة فهو من أعظم الأغذية وأنفع الأدوية وقليلا ما يجتمع هذان الأمران في غيره . إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من أمر النحل لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أي يعملون أفكارهم عند النظر في صنيع اللّه سبحانه وعجائب مخلوقاته فإن أمر النحل من أعجبها وأغربها وأدقها وأحكمها ، ومن تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة حق التدبر علم قطعا أنه لا بدّ له من خالق قادر حكيم يلهمها ذلك ويحملها عليه . ولما ذكر سبحانه بعض أحوال الحيوان وما فيها من عجائب الصنعة الباهرة وخصائص القدرة القاهرة أتبعه بعجائب خلق الإنسان وما فيه من العبر فقال : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ولم تكونوا شيئا ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ عند انقضاء آجالكم إما صبيانا وإما شبابا وإما كهولا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أي أضعفه وأردأه وأخسه وهو الهرم يقال رذل يرذل رذالة والأرذل والرذالة أردأ الشيء وأخسه وأحقره وأوضعه . قال النيسابوري : إن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع : أولها : سن النشوء والنماء وهو من أول العمر إلى بلوغ ثلاث وثلاثين سنة وهو غاية سن الشباب وبلوغ الأشد . وثانيها : سن الوقوف وهو من ثلاث وثلاثين إلى أربعين سنة وهو غاية القوة وكمال العقل . وثالثها : سن الكهولة وهو من الأربعين إلى الستين وهذه المرتبة تسرع الإنسان إلى النقص لكنه يكون النقص خفيا لا يظهر . ورابعها : سن الشيخوخة والانحطاط من الستين إلى آخر العمر وفيها يتبين النقص ويكون الهرم والخرف .